تعرّف على الحكم الشرعي للزواج بين الإنس والجن في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال كبار العلماء.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا ﷺ عبده ورسوله.
لقد ناقش العلماء مسألة الزواج بين الإنس والجن عبر تاريخ الإسلام. فمع أن بعض أهل العلم ذكروا إمكان وقوع مثل هذا الزواج من الناحية النظرية، إلا أن جمهور العلماء ذهبوا إلى عدم جوازه، وأنه لا يوجد دليل صحيح من القرآن الكريم أو السنة النبوية يشرعه أو يحث عليه.
الزواج في الإسلام مشروع بين بني الإنسان
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
سورة النحل: 72
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
سورة الروم: 21
وقد بيّن علماء التفسير أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي من جنسكم ونوعكم وطبيعتكم. فالله سبحانه وتعالى جعل أزواج البشر من البشر لتحقيق مقاصد الزواج من السكن والمودة والرحمة وتكوين الأسرة.
قال الإمام السيوطي رحمه الله:
«فإن قيل: ما تقول في مناكحة الإنس للجن؟ قلت: الذي أختاره المنع.»
ثم ذكر أن الحسن البصري وقتادة والحكم وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه كانوا يمنعون ذلك.
الأشباه والنظائر
لا يوجد دليل صحيح يجيز الزواج بين الإنس والجن
لا يوجد حديث صحيح عن النبي محمد ﷺ أقر فيه الزواج بين الإنس والجن أو فعله أو شرعه.
وقد انتشرت بين بعض المتأخرين قصص وحكايات حول وقوع هذا النوع من الزواج، لكن علماء الحديث لم يثبتوا رواية صحيحة تدل على جوازه.
ولما كانت العبادات والعقود والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بالدليل من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فإن عدم وجود دليل صحيح في هذه المسألة يعد قرينة قوية على عدم مشروعيتها.
أقوال العلماء
سُئل الإمام مالك رحمه الله عن الزواج بين الإنس والجن، فكرهه وخشي ما يترتب عليه من الفساد.
وذكر أن المرأة قد تحمل ثم تدّعي أن زوجها من الجن، مما يفتح باب الفساد والاضطراب بين الناس.
نقله فقهاء المالكية
قال شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله:
«وقد يتناكح الإنس والجن ويولد بينهما ولد، وهذا كثير معروف.»
ثم ذكر أن العلماء كرهوا ذلك.
مجموع الفتاوى 19/39
ومع أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أقر بوجود روايات وأخبار عن وقوع ذلك، فإنه لم يذكر دليلاً من القرآن أو السنة يثبت كونه زواجًا مشروعًا أو مستحبًا.
وذكر الشيخ
ابن باز رحمه الله أنه لا يوجد دليل يعتمد عليه في إثبات الزواج بين الإنس والجن، وأن المسلم ينبغي له ألا يشغل نفسه بمثل هذه المسائل.
مجموع فتاوى ابن باز
وبيّن الشيخ
ابن عثيمين رحمه الله أن الزواج الذي شرعه الله إنما هو بين البشر، وأن مثل هذه الدعاوى لا تقبل إلا بدليل واضح وصحيح، ولو افترض إمكان وقوعها نظريًا.
لقاء الباب المفتوح
المشكلات العملية المترتبة على هذه الدعاوى
وقد ذكر العلماء الذين منعوا هذا النوع من الزواج مفاسد كثيرة تترتب عليه، منها:
- تعذر التحقق من هوية الزوج أو الزوجة المزعومين.
- اختلاط الأنساب وأحكام الميراث.
- فتح باب الكذب والدجل والادعاءات الباطلة.
- الإخلال بالمقاصد الشرعية المعتادة للزواج.
- فتح الباب للخرافات والاحتيال والاستغلال.
ولهذه الأسباب رأى كثير من العلماء أن هذا النوع من الزواج محرم أو مكروه كراهة شديدة.
خلاصة أقوال العلماء
- جمهور العلماء يرون أن الزواج بين الإنس والجن غير جائز.
- بعض العلماء ذكروا إمكان وقوعه نظريًا دون أن يوصوا به أو يجيزوه.
- لا توجد آية صريحة أو حديث صحيح يبيح هذا النوع من الزواج.
- القرآن الكريم يصف الأزواج بأنهم من جنس البشر أنفسهم.
- الأحوط والأقوى أن يتزوج المسلم من بني جنسه كما شرع الله تعالى.
وبناءً على الأدلة المتاحة من القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال كبار العلماء، فإن الراجح أن الزواج بين الإنس والجن غير جائز، وليس من التشريع الذي جاء به الإسلام في باب الزواج.
والله تعالى أعلم.
اقرأ الجواب باللغة: English | Arabic | Bangla | Urdu | Hindi | Indonesian | Turkish | French | Spanish | Swahili